مرتضى الزبيدي
160
تاج العروس
مالك : وأَرْجَأَ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم أَمْرَنا ، أَي أَخَّره ، والإرجاءُ : التأْخير ، وأَرْجَأَت الناقَةُ : دَنا نَتاجُها ، يتعدَّى يُهمز ولا يُهمز ، وكذا أَرْجَأَت الحامل : إِذا دَنَتْ أَن يخرُجَ ولدُها ، فهي مُرْجِئٌ ومُرْجِئَةٌ ، وأَرْجَأَ الصَّائدُ : لم يُصب شيئاً يقال : خرجْنا إلى الصَّيْدِ فأَرْجَأْنا ، كأَرْجَيْنا ، أَي لم نُصِب شيئاً ، وتَرْكُ الهمزِ لغةٌ في الكُلِّ . قال أَبو عمرو : أَرْجَأَت الناقَةُ ، مهموزٌ ، وأَنشد لذي الرُّمَّة يصف بيضَةً : وبَيْضاءَ لا تَنْحاشُ مِنَّا وأُمُّها * إِذا ما رَأَتْنا زالَ مِنَّا زَوِيلُها نَتوجٍ ولم تُقْرِفْ لمَا يُمْتَنَى له * إِذا أَرْجَأَتْ ماتَتْ وحَيَّ سَليلُها ويُروى إِذا نُتِجَتْ ، وهذه هي الرواية الصحيحة ، وقال ابن السكِّيت : أَرْجَأْتُ الأَمرَ وأَرْجَيْتُه إِذا أخَّرته ، وقُرِئَ : أَرْجِهْ وأَرْجِئْه ( 1 ) . وقوله تعالى " تُرْجِئُ من تَشاءَ مِنْهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ من تَشَاءُ " ( 2 ) قال الزجاج : هذا ممَّا خصَّ الله تعالى به نبيَّه صلّى الله عليه وسلّم ، فكان له أَن يُؤَخِّرَ من يشاء من نِسائه ، وليس ذلك لغيره من أُمَّتِه ، وله أَن يَرُدَّ من أَخَّر إلى فِراشه ، وقُرِئَ : تُرْجِي ، بغير همز ، والهمز أَجود ، قال : وأُرَى تُرْجى مُخَفَّفاً من تُرْجِئُ ، لمكان تُؤْوِي . وقرأَ غير المدنيِّينَ والكُوفيِّينَ وعيَّاش قوله تعالى " وآخَرُونَ مُرْجَؤُونَ لأَمر الله " ( 3 ) أَي مؤَخَّرونَ ، زاد ابن قُتيبة : أَي على أَمرِه " ( 4 ) حتَّى يُنْزِلَ اللهُ فيهم ما يُريدُ " وقُرِئ " وآخَرونَ مُرْجَوْنَ " بفتح الجيم وسكون الواو ( 5 ) ، ومنه أَي من الإرجاء بمعنى التأخير سمِّيت المُرْجِئَةُ الطائفةُ المعروفةُ ، هذا إِذا همزت ، فرجلٌ مُرْجِئيٌّ مثال مُرْجِعِيّ وإذا لم تهمِز على لغة من يقول من العرب أَرْجَيْتُ وأَخْطَيْتُ وتَوَضَّيْتُ فرجلٌ مُرْجِيٌّ بالتشديد وهو قول بعضهم ، والأَوَّل أَصحُّ ، وذهب إليه أَكثرُ اللغويِّين وبَدَءوا به ، وإنكارُ شيخنا التشديد لبس بوجه سديد ، وإذا همزت فرجلٌ مُرْجِئٌ كمُرْجِعٍ ، لا مُرْجٍ كمُعْطٍ والنسبة إليه المُرْجِئِيُّ كمُرْجِعِيٍّ ووَهِمَ الجوهريّ أَي في قوله إِذا لم تهمز قلت رجلٌ مُرْجٍ كمُعْطٍ ، وأَنت لا يخفاك أنَّ الجوهريّ لم يقُل ذلك إِلاَّ في لغة عدم الهمز ، فلا يكون وهماً ، لأنَّ قول أَكثر اللغويِّين ، وهو الموجود في الأُمَّهات ، وما ذهب إليه المؤلِّف هو قولٌ مرجوح ، فإمَّا أنه تصحيفٌ في نسخة الصحاح التي كانت عند المؤلف أَو تحريف . وهم أَي الطائفة المُرْجِئَةُ ، بالهمز ، والمُرْجِيَةُ ، بالياء مُخفَّفة لا مشدَّدةً وقال الجوهريّ : وإذا لم تهمز قلت رجلٌ مُرُجٍ كمُعْطٍ ، وهم المُرْجِيَّةُ بالتشديد ووَهِمَ في ذلك الجوهريّ ، قال ابن بَرِّي في حواشي الصحاح قول الجوهريّ المُرْجِيَّة بالتشديد ، إن أَراد به منسوبون إلى المُرْجِيَة بتخفيف الياء فهو صحيح ، وإن أَراد به الطائفة نفسها فلا يجوزُ فيه تشديدُ الياء ، إِنَّما يكون ذلك في المنسوب إلى هذه الطائفة ، قال : وكذلك ينبغي أن يُقال رجلٌ مُرْجِئيٌّ ومُرْجِيّ في النسب إلى المُرْجِئَة والمُرْجِيَةِ . قلت : وهذا الكلام يحتاج إلى تأَمُّل صادقٍ يكشِف قِناعَ الوهمِ عن وجه أَبِي نصرٍ الجوهريّ . رحمه الله تعالى . والمُرْجِئة طائفةٌ من المسلمين يقولون : الإيمانُ قولٌ بلا عمل . كأَنَّهم قدَّموا [ القول ] ( 6 ) وأَرْجَأ العمل ، أَي أَخَّروه ، لأَنَّهم يرَوْنَ أَنَّهم لو لم يُصَلُّوا ولم يَصوموا لنجَّاهم إيمانهم . ويقول ابن عبَّاس : ألا ترى أَنَّهم يُبايِعونَ ( 7 ) الذَّهب بالذَّهب . والطعام مُرْجاً أَي مُؤَجَّلاً مُؤَخَّراً ، وفي أَحكام الأَساس تقول : عِشْ ( 8 ) ولا تَغْتَرَّ بالرَّجاء ، ولا يُغَرِّرْ بك مذهبُ الإِرْجاءِ . والتركيب يدلُّ على التأْخير . [ ردأ ] : الرِّدْءُ ، بالكسر في وصيَّة عمر رضي الله عنه عند موته : وأُوصيه بأَهلِ الأَمصارِ خيراً ، فإنَّهم رِدْءُ الإسلام وجُباةُ المال : العَوْنُ والناصر ، قال الله تعالى " فأَرْسِلْهُ مَعِيَ
--> ( 1 ) من قوله تعالى : قالوا أرجه وأخاه ( الآية 111 من سورة الأعراف ) قرأ أهل المدينة وعاصم والكسائي بغير همز وقرأ أبو عمرو وابن كثير وابن محيصن وهشام بهمزة ( تفسير القرطي 7 / 257 ) . ( 2 ) سورة الأحزاب الآية 51 . ( 3 ) سورة التوبة الآية : 106 . ( 4 ) قرأ حمزة والكسائي بغير همز . فقيل : هو من أرجيته أي أخرته . قال المبرد : لا يقال أرجيته بمعنى أخرته ، ولكن يكون من الرجاء . ( 5 ) في المطبوعة الكويتية : " مرج " خطأ . ( 6 ) زيادة عن اللسان . ( 7 ) في النهاية واللسان : يتبايعون . ( 8 ) في المطبوعة المصرية : " عس . . . ولا يغررنك . . " وما أثبتناه يوافق ما جاء في أساس البلاغة .